بعد يوم من ظهور مبارك ونجليه في قفص الاتهام وفيما اعتبر خطوة إيجابية جدا من شأنها أن تدخل الفرحة في قلوب المصريين أكثر وأكثر ، أعلنت حكومة رئيس الوزراء عصام شرف في 4 أغسطس عن حركة المحافظين الجدد والتي كان ينتظرها الملايين منذ أسابيع .
ولم يقف الأمر عند ما سبق ، فقد قامت حكومة شرف أيضا باستبعاد المحافظين الذين ثار حولهم جدل كبير وخاصة في الإسكندرية والدقهلية وقنا ، كما ضمت حركة المحافظين تعيين 11 محافظاً جديدًا وتعيين 3 نواب محافظ .
وجاءت حركة المحافظين الجدد كالتالي : أحمد على أحمد محافظا للفيوم ، السفير/ عزت محمد سعد محافظا للأقصر ، المستشار/ ماهر محمد الظاهر بيبرس محافظا لبنى سويف ، اللواء / عادل لبيب محافظا لقنا ، اللواء /صلاح المعداوى محافظا للدقهلية ، الدكتور/أسامة الفولى محافظا للإسكندرية ، اللواء/سيد البرعى محافظا لأسيوط ، المهندس/ محمد مختار المحلاوى محافظا للبحيرة ، اللواء/ سراج الدين الروبى محافظا للمنيا ، عزازى على عزازى محافظا للشرقية ، اللواء/طارق المهدى محافظا للوادى الجديد .
كما شملت الحركة نقل المستشار محمد عبد القادر عبد الله من محافظة الشرقية لشغل منصب محافظ الغربية ، وشملت الحركة أيضا تعيين نائبين لمحافظ القاهرة ونائب لمحافظ الاسكندرية وهم : سمير مرقص نائب محافظ القاهرة للمنطقة الشمالية ومحمد عبد الحليم الميهى نائب محافظ القاهرة للمنطقة الشرقية واللواء/إيهاب فاروق الخربوطلى نائبا لمحافظ الإسكندرية.
وبالنظر إلى أن تغيير المحافظين الذين ينتمون لنظام مبارك تصدر مطالب جمعة "الثورة أولا" في 8 يوليو وما أعقبها من اعتصام مفتوح في ميدان التحرير انتهى في مطلع أغسطس ، فإنه يتوقع أن تساعد الخطوة التي قامت بها حكومة شرف في الإسراع بعودة الاستقرار لمصر الثورة ، خاصة وأن حركة 6 إبريل وقوى سياسية أخرى كانوا هددوا بالعودة للاعتصام في ميدان التحرير في حال لم يتم الاستجابة لبقية مطالبهم وخاصة ما يتعلق منها بتغيير المحافظين ومحاكمة قتلة الثوار.
ورغم أن البعض وجه انتقادات كثيرة لحكومة شرف لتأخرها في الإعلان عن حركة المحافظين الجدد ، إلا أن هناك ما يبرئها في هذا الصدد ، حيث لجأت لمكاتب متخصصة لاستطلاع الرأي لاختيار من تتوفر فيهم النزاهة والشفافية للإسراع بتنمية المحافظات وتطهير المحليات من الفساد وعناصر النظام السابق .
بل وهناك من أكد أيضا أن حكومة شرف كانت تعتزم الإعلان عن حركة المحافظين في أواخر يوليو ، إلا أنها انشغلت بالاستعداد لإجراءات محاكمة مبارك .
وبصرف النظر عما سبق ، فإن التطورات في الساعات الأخيرة برأت المجلس العسكري تماما من اتهامات البعض له بالتباطؤ في تنفيذ أهداف الثورة ، كما أن شرف أوفى بالفعل بوعوده لمعتصمي ميدان التحرير بتنفيذ مطالبهم بأسرع وقت ممكن وخاصة فيما يتعلق بمحاكمة مبارك .
إجهاض المخطط الشيطاني
ولعل ردود أفعال الخبراء ترجح صحة ما سبق ، فقد أكد الخبير الاستراتيجي المصري اللواء سامح سيف اليزل أن أكبر نتيجة حققها ظهور الرئيس المخلوع حسني مبارك ومثوله أمام المحكمة مع نجليه علاء وجمال ووزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي تمثلت في إجهاض كل المحاولات التي كانت تسعى من خلالها بعض القوى السياسية للوقيعة بين الشعب والمجلس العسكري والتي كانت قد وصلت إلى حد التشكيك في المحاكمة وهو ما ثبت عدم صحته.
وأضاف أن هذه المحاكمة هي أكبر دليل على أن المجلس العسكري "قال وأوفى بما يقول"، مشيرا إلى أن مشهد المحاكمة في 3 أغسطس أثبت أنه "ليس هناك أي صفقات أو خطط وأن نظرية المؤامرة الموجودة بين بعض الطوائف في المجتمع المصري خاطئة".
وتابع اللواء اليزل أن هناك نتيجة أخرى لهذه المحاكمة وهي أن أسر الشهداء بدأت تشعر بالسعادة بمشاهدة أكبر رأس في الدولة ورجاله يحاكمون.
وفي السياق ذاته ، قال الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور حسن أبو طالب إن هذه المحاكمة تقدم نقطة فاصلة بين عصرين ، فقد أنجز الشعب المصري إنجازا كبيرا في 25 يناير بثورته، وكذلك في 11 فبراير بتنحي مبارك، لكن بمشهد المحاكمة في 3 أغسطس ينتهي عصر مبارك بصورة كاملة وتبدأ مصر عصرا جديدا، معربا عن أمله في أن تصل كل القوى السياسية إلى توافق مطلوب يؤدي إلى بناء ديمقراطي يضع مصر على طريق النهضة.
وأضاف أنه بمحاكمة مبارك أثبت الشعب المصري أنه قادر على محاسبة رئيسه رغم كل الصلاحيات التي منحها له الدستور ورغم كل الاستبداد والفساد الذي أحاط به خصوصا في الـ 10 سنوات الأخيرة ، قائلا :" الشعب المصري استطاع في 3 أغسطس محاكمة الفرعون الأخير له".
وتابع أبو طالب في تصريحات للتليفزيون المصري أن مصر تقدم هذا النموذج للمجتمعات العربية لتؤكد أن الشعوب إذا أرادت فعلت المعجزات، فسقوط مبارك ونظامه "معجزة كبيرة حدثت بتوفيق من الله وبإرادة الشعب".
وشدد أيضا على أن المحاكمة أدت إلى تعزيز الثقة في المجلس العسكري الذي يدير البلاد حاليا ، قائلا :" إن المحاكمة أنهت عدة شكوك راجت في الآونة الأخيرة ، أبرزها كانت موجهة للمجلس العسكري تتهمه بالتواطؤ والالتفاف على الثورة ومطالبها" .
وأضاف أبو طالب " مشهد المحاكمة أكد أن المجلس العسكري أمين على الثورة وليس فقط حاميا لها وإنما هو شريك فيها وأصبح مؤهلا الآن إلى مزيد من ثقة الشعب فيه ليعبر بنا المرحلة الانتقالية وصولا إلى انتخابات حرة ونزيهة وشفافة".
وانتهى إلى القول :" بهذه المحاكمة تؤكد مصر وجود معنى جديدا للمواطنة فيها والتي لا تفرق بين مسئول ومواطن عادي ، فها هو الشخص الذي حكم مصر 30 عاما يقبع الآن متهما ، فلاتفرقة بين مصري وآخر تحت أي ظرف ، محاكمة الرئيس المخلوع ونجليه ورموز نظامه تعطي الأمل لكل المصريين بأن الغد أفضل من اليوم".
أكبر إهانة لمبارك
وأضافت الصحيفة أن الظهور الأول لمبارك للعلن منذ العاشر من فبراير الماضي عندما أعلن رفضه الاستقالة ومثوله الآن لمحاكمة علنية تعتبر"أكبر إهانة " لمبارك منذ تخليه عن الحكم إلا أنها ترضي الثوار المصريين لأنها تعتبر المطلب الأساسي للثورة.
وفي السياق ذاته ، نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" صورا متعددة لمحاكمة مبارك على نسختها الإلكترونية ونشرت خبرا مطولا تحت عنوان "محاكمة مبارك تبدأ في القاهرة" قالت فيه إن المطالب الداعية لمحاكمة مبارك كانت موضع شك حتى الساعات الأخيرة من بدء المحاكمة.
وأضافت "الجدل كان محتدما حول ما إن كان مبارك سيقف في قفص اتهام حديث وعلى الموضة أم سيقف وراء قضبان شائكة كبقية المتهمين المصريين العاديين".
وأكدت الصحيفة أن محاكمة مبارك علنا وبث المحاكمة بشكل مباشر على التليفزيون الحكومي ومتابعتها من جانب ملايين المصريين جعلت من هذه المحاكمة واحدة من أكثر الفقرات التليفزيونية مشاهدة في العالم العربي بأكمله.
وعلقت على الشكل الذي ظهر فيه مبارك خلال المحاكمة ، قائلة :" إن الرئيس السابق الذي ظهر في العاشر من فبراير الماضي قويا وصلبا ورافضا للتنازل عن السلطة متحديا شعبه ظهر في 3 أغسطس نائما في سريره ومغطى إلى صدره واصبعه في أنفه".
ونقلت الصحيفة الأمريكية عن مواطنين مصريين قولهم إن هذه المحاكمة هي رسالة واضحة لكل الحكام العرب الذين يظلمون شعوبهم.
والخلاصة أن ظهور مبارك علنا في القفص جاء ليطمئن المصريين على مضي ثورتهم قدما في تحقيق أهدافها وخاصة ما يتعلق منها ببناء دولة القانون وعدم الإفلات من العقاب.
واللافت للانتباه أن ردود أفعال الإعلام الغربي تدعم ما سبق وتؤكد أيضا حجم الإنجاز الذي حققته مصر الثورة بمحاكمة مبارك ، ففي تقرير لها بعنوان "مبارك الراقد في سرير يدفع ببراءته" ، وصفت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية المشهد الذي خرج فيه الرئيس المصري السابق للعالم في أولى جلسات محاكمته ، قائلة :" إن مبارك بدا شاحب اللون ومريضا في سريره وعيناه محمرتان إلا أنه كان واعيا بما يدور حوله ولم يظهر إلا القليل من المشاعر حول ما يجري شأنه في ذلك شأن نجليه اللذين بذلا جهدهما في الوقوف أمام سريره لمنع الصحفيين من التقاط أي صور له".
ويبقى الأمر الأهم وهو أنه كما أبهر المصريون العالم بنموذج فريد للثورة السلمية التي أجبرت مبارك على التنحي في 11 فبراير 2011، قدموا للعالم أيضا المثل بالمحاكمة العلنية للرئيس المخلوع ونجليه ووزير داخليته وعدد من مساعديه ورجل الأعمال الهارب حسين سالم ، كما أجهضوا مبكرا المخطط الشيطاني الذي كان يديره الموساد الإسرائيلي وأنصار الثورة المضادة للوقيعة بين الشعب والجيش .




0 comments:
إرسال تعليق