Subscribe:

الأحد

يبدوا أنها العولمة و النيوليبرالية...!!














يبدوا أنها العولمة و النيوليبرالية...!!

في المقال السابق وصلنا إلى أنه إذا كان يمكن تفسير المشهد الثوري في المنطقة العربية بأنه انتفاضات من أجل الديمقراطية و إنهاء احتكار السلطة و تصفية الديكتاتورية من منابعها، فإن هذا التفسير لا يبدو مفهوما على الإطلاق كسبب لاندلاع المظاهرات و أتساع أعمال العنف و الاضطرابات في بلدان أخرى عريقة في ديمقراطيتها، و تمثل مراكز، تكاد تكون نموذجية، للحريات و حقوق الإنسان.      
عند هذا النقطة ليس لدينا سوى طريقين لفهم و تفسير ما يحدث في المنطقة العربية و امتداده إلى شواطئ أخرى في القارة الأوروبية و غيرها. أحدى هذه الطرق مريح، تفسيره الأول يغني عن مشقة البحث و الاجتهاد، و هو انه ربما تشابهات الأحداث و تزامنت، لكن اختلاف المواقع و الظرف الاجتماعي و التاريخي ينفي الصلة ما بين ما يحدث في المنطقة العربية و خارجها، الأرجح أن الأمر كله لا يتعدى أن يكون مصادفة تاريخية لا تحمل أي معنى ومغذى في ذاتها..!! تفاسير من هذا النوع، تكتفي بظواهر الأحداث و لا تحاول أن تمتد لتكشف ما ورائها، تسهم في ترسيخ عجز العقل و تهميشه و تضييق حدوده، و هي تفاسير كانت تلازم دائما العقول المحافظة، و الطبقات الرجعية المنهارة، نعم يختلف الظرف السياسي-الاجتماعي في مصر و تونس عن بريطانيا و الكيان الصهيوني، ولكن الأكيد أن هناك ما هو مشترك ما بين الجميع، هذا المشترك الذي سمح بانتقال فعل الاحتجاج و التمرد، عبر الشواطئ و المحيطات، هناك على ما يبدوا ظرف عالمي، يشكل بيئة خصبة لتوليد شحنات متفجرة من السخط و الغضب، أحساس بالعبث و الظلم و الغبن يجتاح الأغلبية من سكان هذا الكوكب بشكل مشترك، على الرغم من اختلاف الثقافات و الأحوال و الأنظمة و تباينها، بصورة قلما نجدها في صفحات تاريخ ممتد و طويل للبشرية.

إن المشاهد الدالة و الموحية توالت على القارة الأوروبية، منبع حقوق الإنسان و منبت الديمقراطية، حتى قبل اندلاع ثورات تونس و مصر، على غرار الصدام الدامي الذي تواصل لستة أيام ، وشارك فيه عشرة ملايين متظاهر في اليونان ، ثم الإضراب الواسع في أسبانيا ، إلى حد الاستعانة بالجيش لإدارة المطارات ، ومظاهرات العمال والموظفين ، التي لم تشهد فرنسا لها مثيلا منذ مظاهرات الطلبة في الستينيات ، وقد تجاوزت العاصمة وشملت جميع مدنها دون استثناء، و إذا أضفنا إلى ذلك، تظاهرات غضب أخرى ، لم تنعكس على الإعلام بحجمها الحقيقي ، كالتظاهرات التي غطت شرق روسيا ، وتخللت ثلاثين مدينة فيها ، وغيرها من تظاهرات شملت 120 ألف عامل في أيرلندا ، وما يقاربها في لاتفيا وبلغاريا ولتوانيا ، وما استبقها من مظاهرات غضب في ربيع عام 2008 ، شكلت ثورات جوع في بنجلاديش والكاميرون وساحل العاج وأثيوبيا والهند واندونيسيا والأردن والمغرب والسنغال ، وهاييتي التي احتل آلاف المتظاهرين فيها القصر الجمهوري، نجد أن الاضطرابات و العنف و غليان الجماهير يكاد يمتد ليغطي وجه هذا الكوكب بأكمله..!!     
بعض من التدقيق و البحث عن الجذر المشترك الذي يجمع مناطق الاضطرابات و التمرد في العالم، يكشف أنها جميعها مناطق اجتاحتها العولمة بعنف و شراسة، و دخلت في عملية مستمرة منذ زمن، من أعادة الهيكلة و فتح الأسواق و سيادة المفاهيم الرأسمالية، و في إصداراها الجديد النيوليبرالي،  التي تعلي من قيمة الربح فقط، و تحول الإنسان إلى حيوان استهلاكي، يعيش في ظل عبودية الغرائز، و لا يعرف سوى قانون الغاب و البقاء للأقوى.

إن العولمة و اقتصاديات السوق الحرة و الرأسمالية،وصلت و توغلت حتى في بلدان ترفع لافتات توحي بأنها ضدها و تستثني نفسها منها، مثل سوريا و اليمن، فالرسملة جارية على قدم وثاق في الإقليم السوري منذ أكثر من عشر سنوات، و اليمن معروف عنه أنه أضحى منذ زمن ركن رئيسي في الحرب الأمريكية ضد الإرهاب...العولمة وصلت الشواطئ السورية و اليمنية، و توغلت في سمائها و أرضها و جبالها.  
إن عملية العولمة في جوهرها  ليست سوى السعي نحو توسيع النفوذ، تعلية المكانة، و تعظيم العائد، و ذلك في أطار يتشكل من زيادة منسوب النزعة الامبريالية، و تقديس منطق السوق، مع تغييب لأي منطق أخر يمكن أن يزاحمه، و أخيرا تكديح جميع الثقافات و تفكيكها و تذويبها في سبيل سيادة ثقافة واحدة عالمية، غرضها الأول هو الاستهلاك ثم مزيد من الاستهلاك، في دورة لا تنتهي و لا تعرف حدود للجشع و النهم..!! و في سبيل تلك الأهداف و ذلك الإطار، أتبعت العولمة إستراتيجية الإذلال للشعوب و الطبقات الكادحة عبر آليات الإخضاع أو النفي أو الأبعاد.
منذ عام 1989، بدأت العولمة تأخذ أبعاد أكثر شراسة، و تمد مظلتها لتشمل كوكب الأرض كله تقريبا، و منذ ذلك التاريخ، كل يوم يمضي كان المزيد و المزيد من البشر يخضعون لإذلال منظم و منهجي، إذلال يملئ الآبار بماء الضيق، الذي تحول مع ازدياد الضغط ثم الأزمات العنيفة الشبه مستمرة، إلى حمم من الغضب حبيسة طبقات الصبر و الاحتمال، و لكن حتى الصبر و الاحتمال له حدود.

كيف أطاحت العولمة بالحد الأدنى للسلام الاجتماعي و السياسي، كيف أضحت الصانع الأول لتكوينات الفساد و مشرعة للانحطاط الأخلاقي و الخواء الفكري و النفسي، كيف ساهمت في تدمير المشروع الوطني الجامع و قتلت أحلام العدل و المساواة، هذا ما سنحاول قراءته في المقالات القادمة.




1 comments:

علاء عبد الحميد يقول...

إن كنت أختلف معك قليلا فى دافعك لتفسير تلك الظاهرة, إلا أن غايتنا تكاد تكون واحدة ألا وهى الحفاظ على الهوية والشخصية لكل بلد, فأنا متفق معك تماما أن محاولات التغريب وطمس الهوية تكاد تكون السبب الوحيد (وإن كان لا شعوريا) لكل تلك الحركات والانتفاضات والثورات.