Subscribe:

الثلاثاء

مصر تولد من جديد

الخميس, ابريل 07, 2011


مصر يا امّة يا بهية
يا أم طرحة وجلابية
الزمن شاب وأنت شابه
هوه رايح وأنت جاية
أبيات الفاجومي الشهيرة، تملكتني و لم تفارقني لحظة و أنا أرى شباب مصر يتكلمون بصدق و حرية وعفوية يوم الثلاثاء الماضي في مركز دعم التنمية. المناسبة هي اجتماع اتحادات و روابط شبابية من أجل الحوار و تنسيق العمل في المرحلة القادمة، جميعها ولد من رحم الثورة و في زخمها، تختلف الصياغات و الكلمات، ولكن لا يتوه المعنى، و لا يغيب الهدف، الجميع يجتمع و يعمل على الحفاظ على الثورة و الوقوف أمام محاولات الردة و التصفية، الجميع مصر على أن يحرر مصر من الفساد و الاستبداد و التبعية، الجميع لا يقبل بغير مجتمع مدني ديمقراطي حر، لا يتسلط فيه أحد على الآخر باسم الدين، و لا يتم المتاجرة به و تحويله لأداة للعدوان على الحريات، و مصادرة النقاش و الإبداع الحر الخلاق، الباحث عن الأفق في المستقبل، بدلا من أن يفتش عنه في ركام الماضي...!!!
أننا جميعا نتذكر الليل الطويل الذي عشناه حتى يأسنا من أشارقة الفجر، كان الظن قد سيطر أن مصر باتت رميم، أن ثلاثية الفساد و الاستبداد و التبعية، هي قدر مصر و مصيرها. وقفنا و قاومنا، و لكنها كانت وقفة النفس الأخير، و مقاومة الذي يرى إن كان لا بد من نهاية، فلنمت و نحن واقفين. لكن الفجر لم يخلف موعده، تمردت مصر على قدرها، و خرجت من تحت رماد السنين، تحلق عاليا فوق الجرح، ومن قلب الألم تعيد بعث نفسها من جديد. الروح ردت، و الثورة كانت انتزاع للأمل من قلب اليأس، الثورة كانت صرخة مصر الخالدة التي يتردد صدها من فجر التاريخ، و هي أنها لم و لن تموت، لم و لن تموت، لم و لن تموت، و كأن مصر هي الوجه الآخر للحياة ذاتها...!!!
لكن الفجر الجديد كان على موعد أيضا مع خبث الطائفية، كان على موعد مع الرجعية و تيارات تريد أن تكون الحرية لها فقط و ليس للجميع، تجمعات من كتل سلفية، أعانها نظام مبارك السرطاني ، على أن تتمدد كالشبكة العنكبوتية في قواعد الفقر والتهميش الاجتماعي والعشوائيات. إن هذه التيارات تنتعش في ظل الجهل و الاستقطاب الطائفي، هي بطبيعتها ذاتها معادية للعقلانية و العلم و التقدم، و مع أن سيطرتها و توغلها في القرى و النجوع و العشوائيات يضمن لها نفوذ واسع و كاسح، إلا أنه يتملكها فزع حقيقي من الحرية و الديمقراطية، لأنها تعلم أن ما راكمته في ظلام و عتمة الجهل  والفاقة سيتبدد في شمس الوعي و العقلانية، فهي تدرك في الأعماق مدى إفلاسها الروحي قبل الفكري و المادي، و أنها لا تستطيع أن تمنح هذا المجتمع سوى فقه التحريم و المصادرة، قمع المرأة، محاربة الفكر و الفن و الفلسفة، إعادة إنتاج الماضي بديلا عن العبور للمستقبل.
إنسانية الإنسان تعني كائنا قادرا على تجاوز و تجديد ذاته. إنها تعني كائنا قصديا يكشف في قصديته عن أمكانته الذاتية كإنسان. لهذا يمكن تحديد الشر كأي شيء يمنع التحقيق الأعلى لهذه الإمكانات، و الفضيلة كأي شيء يسهل هذا التحقيق. طبقا لهذا التعريف فإن هذه الكيانات السلفية المتسترة بالدين، لإخفاء عجزها و خوائها الفكري و الروحي، هي كيانات تحيا حياة الشر بدلا من حياة الفضيلة، هي، حتى و إن لم تقصد، الحليف الأول و الرئيسي للثورة المضادة، لأن تخلفها و رجعيتها يدفع كتل واسعة لاستدعاء الاستبداد مرة أخرى كسبيل وحيد للبقاء على صلة بروح العصر و التاريخ، بدلا من الدخول في كهوف الماضي و اعتزال المستقبل.
في يوم الثلاثاء الماضي، وجدت في عيون فتيات و فتيان إصرار و عزم لا حدود له، على رفض كلا الخيارين، خيار سيطرة الرجعية المتسترة بالدين على المجتمع، أو خيار إعادة أنتاج الاستبداد مرة أخرى، كبديل عن السقوط في الخيار الأول. إن هؤلاء الشباب كانوا هم الكتلة المدنية الديمقراطية التي افتتحت الفعل الثوري في الخامس و العشرين من يناير الماضي، و الكتلة التي شكلت العمود الفقري للمعتصمين في ميدان التحرير، و تصميهم واضح لا يقبل الشك على أن لن يتركوا ثورتهم تسقط في يد الرجعية أو تجهض و تعيد إنتاج الاستبداد و الفساد و التبعية. مهما كان صغر تلك الكتلة أو محدوديتها الآن في مواجهة جحافل الرجعية و الإرهاب باسم الدين، فإن نصرها، مهما كبرت التحديات أو طال الزمن، هو قدر التاريخ، الذي يثبت دائما حتمية انتصار طلائع المستقبل على رواسب الماضي، انتصارها و تحققها هو الميلاد الجديد لمصر.
                                                                                                                                                                                                                                                                      
  شادي عمر الشربيني

1 comments:

غير معرف يقول...

nicee