مرة أخرى...على ماذا كان الانقلاب...؟!
(1)
بحلول عام 1550 ميلادية، كان الاستعمار الأوروبي يلقي بجذوره و يزيد من انتشاره، و لم تكن الإمبراطورية الاسبانية أو البرتغالية "محض" مشروعات تجارية، بل كانت ممالك استعمارية لها بريقها، تقف شاهدا للملوك الذين فتحو تلك البلاد بالقوة، و تمجد في الوقت نفسه قادة الجيوش الذين ارتكبوا أعمالا دامية من أجل احتلال أراض جديدة، و في سبيل الاستيلاء على المغانم و الثروات.
و سرعان ما توسعت الإمبراطورية الأوروبية في آسيا و أمريكا و أفريقيا و كذلك في أوروبا نفسها، و كانت تنتهج الحكم المطلق، تماما كما كان يفعل السادة الارستقراطيين في إدارة أراضيهم و باقي ممتلكاتهم، و من جانبهم أكد السادة المستعمرون على التحكم الكامل في الأراضي و الموارد، بما في ذلك السكان الأصليين الذين اعتبروهم أدنى من أن يعاملوا معاملة آدمية. و ظهرت المقولة الشهيرة، "التجارة تتبع الراية"، و بحلول القرن الثامن عشر اكتسبت مشروعات ضخمة مثل شركة الهند الشرقية نفوذا هائلا، ومنذ القرن التاسع عشر و حتى أوائل القرن العشرين، بدا أن مصير العالم أصبح في يد الرجل الأبيض و أن التاريخ وصل لنهايته، تلك المقولة التي ظهرت مرة أخرى عند نهايات القرن نفسه و يتردد صدها حتى الآن، و لكن..!!!
لم يكن لأحد أن يفلت من حكم التاريخ، فعند الذروة بدأ الانكسار، و بدا أن التاريخ يرفض كلمة النهاية، فكان الصراع الاستعماري الذي بلغ الذروة في الحربين العالميتين الأولى و الثانية، هو نفسه الذي أنهك قوى الاستعمار، تلاه قيام حركات التحرر الوطني، و إصرار الجماهير المسحوقة على أن تأخذ مكانها تحت الشمس.
(2)
ليس هناك سياسة داخلية و أخرى خارجية بل هناك سياسة واحدة تطبق في الداخل و الخارج. لقد كان الشباب الذي تقدم فأمتلك زمام الأمور صبيحة يوم 23 يوليو 1952، يتصور أنه حتى يستطيع أن يبني مصر و يعوضها عن ما فاتها، فإن نوعا من الانعزال و التقوقع داخل الحدود يبدوا هو الخيار الأفضل تجنبا لمواجهات لا تستطيع مصر الضعيفة الواهنة خوضها، و لكن التجربة أثبتت أن هذا وهم كبير، فمنذ اليوم الأول للثروة مورست الضغوط على مصر لتطويعها، فتكون عراب الصلح مع إسرائيل، و جزءا من حركة حشر المنطقة تحت مظلة الأحلاف الغربية، هنا أدرك جمال عبد الناصر أن حرية مصر و استقلاها مرهونة بحرية و استقلال محيطها و منطقتها، بل العالم كله، و أن قدر مصر الحرة المستقلة التي تبحث عن العدل و الكرامة، هو أن تكون في معسكر معادة الاستعمار، أن تكون جزءا أصيلا و فاعلا من حركة تحرر وطني عالمية، ترفع جزمه المحتل عن رقبتها، و تمكن سكان البلاد الأصليين من ثروات بلادهم المنهوبة، و تحفظ حرية و استقلالية القرار الوطني.
(3)
في11 مايو عام 1961 تلقى عبد الناصر رسالة من الرئيس الأمريكي جون كينيدي يبدي فيها رغبته في التعاون مع مصر، و إيجاد تسوية للقضية الفلسطينية، وفي 22 أغسطس من العام نفسه كان رد عبد الناصر..الذي أكد أن الموقف من إسرائيل ليس عقدة مشحونة بالعواطف و إنما هو عدوان في الماضي..و أخطار في الحاضر..و مستقبل غامض معرض للانفجار في أي وقت.. ثم كانت الغارة الصهيونية على غزة التي وصفتها الأمم المتحدة بالغارة "الوحشية المدبرة"، و من هنا، كما يرد في رسالة ناصر نصا " تبينا أن انهماكنا في عملية التنمية لا يجدي إزاء العدوان.. و تحتم أن نوجه جزءا من الاهتمام إلى التسليح لرد العدوان..و بدأنا بطلب شراء السلاح من الولايات المتحدة بإلحاح و لما واجهنا بالمماطلة ثم بالرفض كان القرار بشراء السلاح من الاتحاد السوفيتي.. الذي سأظل احتفظ بكثير من الوفاء له، و أتصور أنك لو كنت مكاني لكان ذلك شعورك أيضا. ثم ختم ناصر الرسالة بأن كل القضايا العربية متصلة ببعضها اتصالا وثيقا، فحق اللاجئ الفلسطيني مرتبط بحق الوطن الفلسطيني، و باقي الأوطان العربية لا يمكن أن تعزل نفسها عن العدوان الذي أنقض على واحد منها بسبب واضح هو أن هذا العدوان - فضلا عن كل ما يعنيه التضامن العربي – يهدد الأوطان العربية الباقية بنفس الخط و المصير.
(4)
يمكن القول، بدون كثير من الاختزال، أن الخطوط الرئيسية لحركة مصر الخارجية في الفترة الناصرية، كانت تتمثل في: مصر في دوائر حركتها العربية والعالم ثالثية والصداقة مع الاتحاد السوفيتي والكتلة الاشتراكية تجعلها تقاوم وتصمد وتنتصر لصالح بناء مشروعها النهضوي وتتصدى لهزيمة المشروع الصهيوني وتصمد في مواجهة الاستعمار العالمي. كان هذا هو الوجه الآخر للسياسات العدل و التصنيع و التنمية المستقلة في الداخل، وفي الحقيقة لم يكن لمصر أن تحقق أي من هذا في الداخل بدون سياسات من هذا النوع في الخارج، فالسياستان الداخلية و الخارجية وجهان لعملة واحدة، و هذا جعلها في قلب حركة التحرر الوطني، بل و ملهمة و قائدة لغيرها، حتى قيل في الستينيات القرن الماضي، أن القاهرة عاصمة العالم الثالث.
كان هذا أكثر مما تستطيع أن تحتمله الرأسمالية، خصوصا في مرحلة استعدادها لتمدد الأفقي، و استعادة السيطرة، التي انكمشت تحت ضغوط إعصار الحرب العالمية الثانية ثم تفجر حركات التحرر الوطني.
بالترغيب و الترهيب، ثم الحصار، حاول الغرب تطويع تجربة التحرر الوطني في مصر أو حصرها داخل حدودها، ثم كان اللجوء إلى خيار الحديد و النار في عام 1967، و لكن على الرغم من ضربة بدت قاصمة، إلا أن صمود التجربة و عودتها إلى ميادين القتال بدا مزعجا، و يهدد بتلاشي أثار الضربة، و لكن بعد عام 1970 كانت هناك أبواب خلفية بدأت تفتح و توارب، فكان الالتفاف و اختراق التجربة و ضربها من الداخل..!!!
كيف تم هذا..؟! سؤال سنحاول أجابته في المقال القادم.



0 comments:
إرسال تعليق