على ماذا كان الانقلاب...؟!
كانت النتيجة التي وصل إليها المقال السابق، هو أن حركات التمرد العنيفة التي يبدوا أن تأثيرها يكاد يشمل كوكب الأرض بأكمله، لها بالتأكيد سبب أو أسباب مشتركة تكمن في جذورها، على الرغم من قائمة أسباب أخرى تختلف باختلاف الظرف السياسي و الاجتماعي لكل بلد، و كان يمكن بسهولة رصد أن أهم ما يجمع مناطق الاضطراب هو خضوعها للعولمة التي تهدف إلى نزع سيطرة الدول على كل ما أسس فيها ليكون قوميًا - سواء على مستوى السياسات أو رأس المال أو الأهداف السياسية و الاجتماعية، و لا تحتفظ سوى بمقدس واحد و هو السوق، و هذا المقال هو البداية في سلسلة تحاول رصد كيف سيطرت و ماذا فعلت العولمة بالبلدان التي اجتاحتها، و لأن الجرح في مصر كان الأعمق و الأقرب، فسيكون من الأولى أن نبدأ بمصر .
كانت الفترة من بداية سنة ١٩٧٤ و حتى بداية سنة ١٩٧٥ - لحظة تاريخية شديدة الأهمية والخطر بالنسبة لمصر وباقي الأمة العربية، لأن تلك الفترة - ما بين اثني عشر إلي خمسة عشر شهراً – شهدت انعطافا إلي منحني علي الطريق - حاداً أو متسعاً - ليس بالضرورة خطأ وليس بالضرورة صواباً، و لكن يمكن وصف هذه الفترة، بكل صدق و بدون أي مبالغة، هي الفترة التي تم فيها الانقلاب على مجمل السياسات و توجهات مصر الناصرية.
كانت مصر الناصرية قد بلورت نفسها كدولة تحرر وطني، تتبنى الحل الاشتراكي، و التخطيط المركزي، و تدخل الدولة في الاقتصاد من اجل تعبئة المدخرات، و بناء مجتمع العدل و الكفاية، و توجيه الاستثمارات، و تسريع النمو، و بناء نظام اقتصادي قوي للنظام الجديد. أستطاع هذا النظام أن يحقق الكثير على جميع أصعدة التنمية البشرية و الاجتماعية و الاقتصادية، اعتمدت التجربة على إقامة قطاع عام قوي قادر باستثماراته و مشاريعه على استيعاب جميع الداخلين إلى سوق العمل، فأخذت الدولة مسئولية تعيين الخريجين، فكان الاستقرار الاجتماعي و الأمان الاقتصادي يمتد يوما بعد يوم ليظل كل من يسكن فوق أرض الوطن. لم يكن القطاع العام يستهدف جني الأرباح و مراكمة فائض القيمة، و لهذا كانت السلع تقدم للمستهلك بتكلفتها تقريبا، هذا إلى جانب أن الدولة كانت تراقب الأسعار و تحارب الجشع و تصفي الاحتكار، فحفظت كرامة الفقراء و محدودي الدخل.
الأكيد أن التجربة الناصرية، التي قامت على القطاع العام، مع التوسع في مجانية التعليم و توفير العلاج المجاني، لم تصل إلى سدرت المنتهى في تحقيق أحلام و أهداف الحركة الوطنية في التنمية و العدل و الكرامة للجميع، و لكنها كانت أول تجربة في تاريخ مصر الحديث تحقق اختراقا حقيقيا يكسر المثلث الجهنمي الشهير، الفقر و الجهل و المرض..!!! لكن هذا الاختراق لم يكن ليحدث عن طريق أعادة توزيع الثروة فقط، بل رافقته تنمية اقتصادية سريعة و واسعة وهكذا نجحت مصر المعتمدة علي ذاتها في العهد الناصري , في أن تكون واحدة من أهم خمس دول مصنعة في الدول النامية , وكانت حتى عام 1965 تتفوق علي كوريا الجنوبية في كل المؤشرات تقريبا , حيث بلغ الناتج المحلي الإجمالي المصري نحو 5.1 مليار دولار , وبلغ نصيب الفرد منه 173 دولار . في حين بلغ الناتج المحلي الإجمالي الكوري الجنوبي في العام نفسه نحو 3 مليارات دولار , وبلغ متوسط نصيب الفرد منه 105 دولارات , و حتى بعد حرب 1967 بكل أثارها السلبية علي الاقتصاد المصري , من سيطرة الكيان الصهيوني علي حقول البترول المصرية , وعلي جانب مهم من مناجم التعدين المصرية في سيناء , وكذالك ما تم من عدوان علي الصناعة في مدن القناة , فإن الناتج المحلي الإجمالي المصري كان يوازي 95 % من نظيره الكوري في عام 1970 . لقد كانت نسبة النمو الاقتصادي في مصر من عام 1957, و حتى عام 1967 تسير بمعدل 6,2 % سنويا , وبالأسعار الثابتة الحقيقية , بل إن هذه النسبة ارتفعت إلي 6,6 % من عام 1960 و حتى عام 1965 , ومصدرنا في ذلك تقرير البنك الدولي رقم 870.أ عن مصر الصادر في واشنطون بتاريخ 5 يناير 1976 . معنى ما سبق هو أن مصر استطاعت في عشر سنوات أن تقوم بتنمية تماثل أربعة أضعاف ما استطاعت تحقيقه في 40 عاما، بل إن معدلات التنمية التي حققتها مصر في تلك الفترة لم يفوقها سوى ألمانيا و اليابان و دولتان من دول الكتلة الشرقية.
ينفي بعض المثقفين اليساريين صفة الاشتراكية عن التجربة الناصرية، لكني حينما طبقت نفس تلك المعايير، التي على أساسها توصلوا لهذا الحكم، وجدت انه، طبقا لها، فإن التاريخ لم يشهد أي تطبيق حقيقي للاشتراكية حتى هذه اللحظة..!! و لكن ما يمكن أن يتفق عليه الجميع، أن التجربة الناصرية كانت على الأقل لا رأسمالية، شكلت حاجزا عتيدا لصد التوسع الرأسمالي، الذي أصطلح على وصفه بالعولمة بعد ذلك، و الأنكى أنها شكلت نموذجا ناجحا للنمو اللارأسمالي، الذي يعتمد على الذات و يخلق مساحات من التحرر من سيطرة الغرب على دول العالم الثالث. إذا أضفنا على كل هذا أن مصر لم تكن لتستطيع و هي حرة مستقلة، أن تكون منكفئة على نفسها، منكمشة داخل حدودها، لأن فترات انحصارها داخل هذه الحدود كانت ملازمة لعهود انحطاطها. فدرس تجربتها، كان يدوي صداه في جنابات التاريخ، أن لا ضمانة لمصر حرة مستقلة، سوى أن تكون رائدة و قائدة في إقليمها، و جزء ديناميكي فاعل و مؤثر في العالم، و بالفعل كانت مصر الناصرية، وفية لمصر التاريخية، فكان دورها و تأثيرها ينمو يوما بعد الآخر. نمو هذا الدور و اتساع هذا التأثير كان سببا آخر لاستفزاز قوى الاستعمار الحديث قبل القديم. المقال القادم يحاول أن يلقي بعض الضوء على هذا الدور، و يوضح كيف كان الصدام.
..



0 comments:
إرسال تعليق